ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله):أنه قال"تفكّر ساعة خير من عبادة سنة" ومن جملة مصاديقه التفكّر في أهل البيت (عليهم السلام)لأنهم محال معرفة الله كما نقرأ في الزيارة الجامعة ( السلام على محال معرفة الله) فمعرفتهم معرفة لله والتأمل فيهم تأمل في الله والتفكير فيهم عبادة كالتفكير في مخلوقات الله، فلنتأمل في معرفة شخصية الحسين(عليه السلام).

هناك صفتان للحسين تستحقان التأمل والتفكر:

1-الصفة العقائدية.

2-الصفة الروحية.

وسوف يكون الكلام في البدء عن الصفة العقائدية: ونستجليها من خلال زياراته التي وردت عن الإمام الصادق(عليه السلام) ومن أوثق هذه الزيارات(زيارة وارث) ولنتأمل في بعض فقراتها لنتعرف على الملامح العقائدية لشخصية الحسين(عليه السلام): الفقرة الأولى:قوله:(السَّلامُ عـَلَيـْكَ يا وارِثَ آدَمَ صـَفـُوةِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيْكَ يا وارِثَ نـوُحٍ نَبــِيِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ إبـراهيـمَ خـَليـلِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يا وارِثَ موســى كـَليِم اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ عـيـسى روُحِ الله السَّلامُ عـَلَيْكَ يا وارِثَ مـُحـَمـّدٍ حـَبـيبِ اللهِ السَّلامُ عـَلَيـْكَ يـا وارِثَ أمير المُؤمِنينَ علي وَلَيِ اللهِ) ما هو المقصود بالإرث هنا؟!هل أن الحسين ورث من هؤلاء الإمامة؟! أو ورث من هؤلاء العلم؟!

والإمامة والعلم ليسا مما يورث لأن الإرث مرادف لكلمة (الميراث) وهي واضحة لغة وعرفا في الشيء المنتقل من شخص لآخر والعلم لا ينتقل والإمامة لا تنتقل من شخص لآخر كي تكون ميراثا ولذلك قال تبارك وتعالى: }ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا{( أي أن الكتاب انتقل من السابقين إلى اللاحقين) ولذلك احتجّت الزهراء (عليها السلام) لميراثها من أبيها بآيات الإرث:}رَبِّ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ{ وقال فيما اختص من خبر وقال في خبر داوود وسليمان:}وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ{إذن هناك ميراث انتقل من سليمان إلى داوود ومن زكريا إلى يحيى ,فما هو الذي ورثه الحسين من آدم ونوح و إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وعلي وسائر هؤلاء؟

إن الذي ورثه الحسين هو صحف الأنبياء ومواثيق الرسل فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام):"لا يكون الإمام إماما منا حتى تكون لديه مواريث الأنبياء وعهود الرسل ومواثيق الأوصياء" إذن فجميع الصحف السماوية التي نزلت منذ يوم آدم إلى يوم النبي تصل إلى الأئمة(عليهم السلام)يداً بيد وتكون هذه الصحف دليلا من أدلة الإمامة ولذلك نحن نقرأ في زيارة أخرى للحسين(عليه السلام):(السَّلامُ عَلَيْكَ يا خازِنَ الكِتابِ المَسْطُورِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ التَّوْراةِ والإنجيل وَالزَّبُورِ) فكما نزلت من السماء وصلت إلى الحسين(عليه السلام)وللائمة من بعده (عليهم السلام).

الفقرة الثانية:قوله:(السَّلامُ عـَلَيـْكَ يَابـنَ مُحمدٍ المـُصطـَفـى السَّلامُ عـَلَيْكَ يَابن عـلي المرتـضى السَّلامُ عَلَيْكَ يَابـن فاطمة الزهراء السَّلامُ عَلَيْكَ يَابـنَ خَديجَةَ الكُبرى) هنا يتساءل الإنسان لماذا نذكر نسب الحسين؟ وكل إنسان -كما هو معروف - يزوره يعرف نسبه ومن هو جدّه ومن أبوه ومن أمه ومن أخوه ومن جدته, فلماذا ينص الإمام الصادق(عليه السلام) في زيارته لجده على النسب؟ التنصيص على النسب لا لأجل التعريف بالحسين ,بل لأجل بيان سر الاصطفاء بمعنى أن هناك شجرة وهبها الله الاصطفاء وهذه الشجرة بدأت من إبراهيم (عليه السلام)إلى أن وصلت إلى محمد(صلى الله عليه وآله)فهذه الشجرة هي (شجرة الاصطفاء) التي يقول عنها القرآن الكريم:}وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ{ فشجرة إبراهيم هي شجرة الاصطفاء وعندما نقول ابن الرسول وابن فاطمة وابن علي فالمقصود بذلك:أن الحسين ينحدر من شجرة الاصطفاء فهو مصطفى}لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ{وهكذا علي الأكبر{لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} ولذلك ترى في أية زيارة للحسين زيارة خاصة بعلي بن الحسين من بين الأنصار كلهم ولهذا لما برز الأكبر إلى المعركة قال الحسين وهو يودعه}إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ()ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ{ فشجرة الاصطفاء شجرة تتميز على سائر الشجرات البشرية فأراد الإمام من خلال هذه الفقرة أن يبين أن الحسين من شجرة الاصطفاء.

الفقرة الثالثة:هي وقوله (عليه السلام):(أَشهَدُ اَنَّكَ قَد أقَمتَ الصَّلاةَ وَآتَيتَ الزَّكاة وَأمَرتَ بـاُلمِعروف وَنَهَيتَ عـَنِ المُنكرِ وَأَطـَعـتَ اللهَ وَرَسـولَهُ حـَتّى أتاك اليَقـينُ)هنا أيضاُ يطرح سؤال: لماذا نذكر إقامة الصلاة وما هي ميزتها؟ وكل المؤمنين يقيمون الصلاة ومنهم من قضى حياته في إقامتها وفي إيتاء الزكاة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي طاعة الله فما هي ميزة الحسين حتى يقال له في الزيارة (اَشهَدُ اَنَّكَ قَد اَقَمتَ الصَّلاةَ) ؟

المقصود بذلك:أن كل عبادة ومنها الصلاة تتكون من عناصر ثلاثة:

1-الطريقة: وهي القيام والقعود والركوع والسجود والذكر.

2- الحقيقة:وتتمثل بالخشوع القلبي فمن لم يخشع في صلاته فقد اقتصر على الطريقة ولم يصل إلى الحقيقة}قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ()الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ{ فالخشوع القلبي هو حقيقة الصلاة.

3-(الرقيقة): وهذه الصفة يختص بها الأئمة والأوصياء، ورقيقة العبادة مشاهدة قلب المحب للمحبوب مشاهدة وجدانية فالإمام حين يدخل إلى الصلاة يشرق نور الله في قلبه فيشاهد قلبه جمال الله وجلال الله مشاهدة وجدانية ولذلك يعشق أهل البيت الصلاة لأنها وقت اللقاء مع المحبوب كما يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):"أحب من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرّة عيني الصلاة" والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول:"ركعة لي في دنياكم أحب إليّ من الجنة وما فيها" إذن عندما نقول للحسين:(أَشهَدُ أَنَّكَ قَد أقَمتَ الصَّلاةَ وَآتَيتَ الزَّكاة) نعني بأنك وصلت إلى كهن وأسرار هذه العبادات كلّها (حـَتّى أتاك اليَقـينُ) أي بلغت أعلى درجات اليقين. الفقرة الرابعة:الفقرة المشتملة على اللعن(فـَلعـَنَ اللهُ اُمَةً قَتـَلَتـكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَةً ظَلَمَتكَ وَلَعَنَ اللهُ أمَةً سَمِعت بـِذلك فَرَضِيَت بـه)ربما يسأل سائل لماذا اللعن؟! وربما يقول إنسان: ثقافة اللعن ثقافة رخيصة وليست لغة حضارية وهي لغة البذيئين وليست لغة

الناس المترفعين فلماذا نصر على ذلك؟ وخصوصا في زيارة عاشوراء ؟!

وللاجابة عن هذا السؤال نقول:

أولاً:لغة اللعن مستقاة من القرآن الكريم فهناك أكثر من 37 آية تتضمن اللعن والقرآن الكريم يقول:}إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ{فلماذا استخدم القرآن لغة اللعن إذا كانت لغة غير حضارية أو ثقافة رخيصة؟ ثانياً:هناك فرق بين اللعن والسباب فالسباب:عدوان على الآخر وهو غير محمود وربما لأجل ذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):"أني أكره لكم أن تكونوا سبّابين" بينما اللعن:دعاء وليس اعتداء وله علاقة بين الإنسان وبين ربه فلو أبدلنا اللعن ووضعنا مكانه معناه فهل يعتبر هذا قبحا؟! وقولنا لعنة الله على الظالمين كقولنا:(اللهم اطرد الظالمين من رحمتك) فهل يعد هذا لغة رخيصة؟ ومن المؤكد أن الجواب(لا) فهذا هو معنى اللعن.

ثالثاً: إن اللعن له دوافع مختلفة فتارة للانتقام والتشفّي وهذا قد يصدق عليه أنه لغة غير حضارية أما إذا كان اللعن بدافع البراءة والرفض للظلم والطغيان كما لو أن عندك صديقا يعصي الله تبارك وتعالى فتقول له أنا بريء من معاصيك وهذه البراءة حالة روحية إذ تربّي الإنسان على رفض الظلم ولعننا لأعداء أهل البيت (عليهم السلام ) يحمل هذا المعنى. الفقرة الخامسة:ما يتعلق بأئمة الهدى(صلوات الله عليهم أجمعين)لأن الله أنعم على الإمام الحسينبأن جعل الأئمة من ذريته