البصرة ... كويتية !!
لابد لهذا العنوان ان يولد ردود فعل متناقضة .. و آراء متباينة .. وسيثور الثائرين .. ويزبد ويعربد المحتجين .. وينتفض القوميون والوطنيون .. ويتوالى القدح ووقد يصل الى سب وشتم ..!! ولايرتجى من وراءه المدح ... لما عُرف عن شعبنا من عاطفة بركانية توقف العقل وتعطله .. وتُـشغِلْ الحمية وتثير النعرات الجاهلية في النفوس السائرة في مسيرة التبعية .. فنحن شعبٌ تحكمهُ عواطفهُ وتتحكم فيه مشاعرهُ فهو كالبحر .. مابين مد وجزر.. وان سكنت في اعماقه الكنوز والدر ... في اغلب الاحيان نوقف عقولنا الى درجة التشبث في قناعاتنا او ما يقولهُ قاداتنا وكبراءنا وطبعاً من المعروف اننا لا يقودنا شخص واحد بل لكل ثلة قائدها .!! حتى تفرقنا واصبحنا طرائق قددا .. يسقط بعضنا بعضاً ويستكلب قوينا على ضعيفنا ويضيع الحق تحت اقدام همجيتنا وبسيوف جاهليتنا التي تحتجز عقولنا ..!! فأبسط العناوين تستطيع ان تثير حفيظتنا وتقلب الامور رأساً على عقب وتشعل حرباً شعواء فيما بيننا ..!!
حدثني رجل عاقل مرة في موضوع يشابه هذا العنوان .. قال : كنت مع صديق لي في حافلة لنقل الركاب من فئة (44راكب) وكانت الاجرة (250) او ما يعرف (ربع دينار) من منطقتنا الى مركز المدينة واوشكت الحافلة على اكتمال العدد فبادرت صاحبي..
قائلاً : اتعرف اني استطيع اثير هؤلاء الناس بكلمتين ؟!!!
فرد مستغرب : لا .. لا اظن ذلك ؟
فقلت بصوت عال مخاطباً السائق : عمي اطلع ننطيك على (500دينار) !!
فصمت كل من في الحافلة قليلاً كالسكون الذي يسبق العاصفة .. وثارت ثورتهم وهاج جميعهم دون الرجوع الى عقولهم .. وبدأت الاقوال والعبارات تتناثر علي .. (عمي مادام عندك فلوس ماتخذ تكسي ) .. (عمي انت متعافي ) .. عجوز تقول ( انهجم بيتك ...) واخر يقول ( عمي حط رجليك بالكاع ...) .. الخ ... ثارت ثورة اكثر من 30 شخص بكلمتين.. !!
ضحك صاحبي وقال لي : (هاي شسويت ) ..؟!
اجبته مؤكد صحة نظريتي : ( العراقيين ابسط شي يثير عواطفهم قبل ان يثير عقولهم )!!.
وعليه فان عنواني يثير العاطفة المتشنجة .. فكيف تكون البصرة كويتية بينما يرى الناس ان الكويت عراقية ؟!! ..
بعد سقوط النظام الصدامي المقبور اثارت تركيا موضوع الموصل وانها تابعة الى تركيا وكان بعض الموصليين مرحبين بذلك ومتمنين ان تكون الموصل تركية لا عراقية .. وبعدها ارسلت تركيا الى الموصل داعشاً فأسقطتها واصبحت الموصل (داعشية) !!
واثار الاكراد موضوع كركوك وكونها كردية وبالفعل بعد سقوط الموصل احتل الاكراد كركوك وصادروها الى دولتهم المريبة ... فاصبحت كركوك كردية !!
وقبل فترة وتحديداً عند فضح (موقع ويكيليكس) المعروف واصداره وثائق جديدة تفضح بعض السياسيين العراقيين وعلاقاتهم مع السعودية ودورهم الخياني تبين في احد الوثائق بأن (السعودية) قد خصصت مبلغ (200) مليار دولار لضم الانبار وبعض المدن السورية الى الاردن..!! واعتمدت على بعض الساسة العراقيين لاجراء استفتاء في الانبار بهذا الخصوص و لتكون الانبار اردنية .. ويقيناً ان اغلب اهل الانبار يتمنون ان تكون اردنية !!
الا ان احداً لم يفكر يوماً بان تكون أي مدينة عراقية حدودية من الوسط والجنوب وهي( ديالى والكوت والعمارة والبصرة) ايرانية ..!! رغم التهم بأن اهلها صفوية فرس الاصول وليسوا عربا قحاح ..!! لا ايران طالبت بذلك ولا اهل هذه المدن راغبون فيه . بعكس المدن الشمالية والغربية .
ولكن تبقى البصرة حالة استثنائية في كل العراق وبكل شيء وهذا لا يحتاج الى متخصص لمعرفته ولا محقق لأثباته .. وقد قيل في كل الاماكن والازمنة وفي زمننا هذا المحصور بين مطرقة الدواعش واسيادهم .. وبين الديمقراطية الامريكية في العراق وعبيدها المفسدين من السياسيين الذين اذاقوا هذا الشعب جرعاً من المرارات لم يرى مثلها منذُ وجود العرق قبل (5000) عام .. ساسة اعنف من بطش الدواعش فسادهم ... وانتن من جيفة الاستعمار والامبريالية خصالهم .. ذبحوا الصدق فداءاً لتوليهم مناصبهم .. ومثلوا بالوفاء على ابواب غدرهم .. وتلاعبوا بالدين تبعاً لأهوائهم .. وقالوا لكل القيم والاخلاق الكريمة (هذا فراق بيني وبينك) منذ ان حملوا القابهم ..!! فذا رئيس وذاك دولة الرئيس وذلك وزير وهذا امين عام وكلهم مدبر ومدير ومن بعدهم من الخونة كثير .. ويبقى الشعب كالبعير .. يحملُ ذهباً ويأكل شوكاً .. عارياً في الصحراء بلا كلئٍ ولا ماء .. في الحرمان والهجير يسير .. قد فقد الامل وحُرِمَ من العمل .. وتركوه في ساحات الوغى وحيداً يُقتل .. ورقصوا على اشلاءه .. وتباهوا بالفتوحات والبطولات على اصدءه !! ساسة خائنهم مكرم وسارقهم معظم وقولهم معصم ..!! ساسةٌ لاكوا كبد الدين بعدما شوهوه .. وكرههم الشعب جهارا نهارا فحطموه ..!! باعوا شمال الوطن للكرد والدواعش .. وبغداده للعهر والفواحش .. ووسطه وجنوبه للفقر والبؤس واليأس ..!!
فكانت البصرة سلة لهذا الحطام .. ومكور لكل الهموم والآلام .. لا ساستها تنصفها .. ولا مناخها ولا طقسها يسعفها .. ولا شريف يتصدق على اهلها من مالها .. ولا سارق من الساسة (الابطال) يرق عليها فيترك لها ثوباً سملاً تغطي به سوءتها ..او درهما تطعم به ايتامها ..!! فقد اُتخم الملأ وجاع العوام ..!! وتسلق القردة وتعب الكرام ..!!
لذا فلا بد لأهل البصرة من ان يفكروا بحل يغنيهم عما في ايدي السارقين ويبعدهم عن معمعة الساسة والسياسية ونظرية المؤامرة والتخوين .. ويريحهم من كل ما حولهم ليهنئوا .. بدلاً من المطالبة بالاقليم واستبدال السراق القدمى بسراق جدد .. يأكلون الحرث ويهلكون النسل .. لماذا لا نقرأ الموضوع بعين البصيرة .. ونعقله بقلب سليم ؟ ونحسبه حساب العاقل المتعب من الهم الاليم ؟ ...
اذا كانت الكويت عراقية فقد انقذها الاستعمار من عراقيتها لتكون دولة مستقلة يعيش اهلها ارقى حياة بين كل البشرية ... و تحكمها عائلة اميرية وزعت خيرها على اهلها بالسوية .. بل حتى المقيمين فيها يتباهون انهم يعملون في الكويت ..!! ولا يتمنون فراقها حتى الموت ..!! فلماذا لا نفكر نحن اهل البصرة بالانضمام الى الكويت اليس الامر ديمقراطية ؟!! لنتخلص من كل تبعية .. من التبعية الى بغداد وساستها الهمجية ... ومن تبعية التهمة الصفوية الايرانية ..؟!
بدل المطالبة بالاقليم نجري استفتاء ونرى الاراء واني واثق ان الاغلبية ستقول نعم (للكويت) ولكن الامر لا ولن يكون لسببين مهمين وهما :-
اولاً/ ان الكويت لا تريد البصرة واهلها ولو ارادوها لطلبوا من الاستعمار البريطاني الذي اوجد دولتهم ان يقتطعها لهم ولما كان لأحد على البريطانيين في حينها سلطة بل هم الامر الناهي .. وكذلك الكويت لا تريد ان تدخل الاحزاب الى بلدها وان كبرت مساحتها وكثر عدد سكانها فهي ستربح السكان والمساحة والخيرات ولكن ستخسر الامن والامان وتستشري فيها عدوى المحاصصة والطائفية .
ثانياً / ان جميع الاحزاب المنتشرة في العراق والبصرة لا تقبل مثل هذه الفكرة ..لأنها لا تصب في مصلحتهم وستقطع ايدي سرقاتهم وستخرس السنتهم ... وسيجوع العراق لأن البصرة رغيفه وسيقطع نفس العراق لأن البصرة انفه ورئته على البحر ..
ولكن من باب ( فرض المحال ليس بمحال ) لنفرض ان استفتاءا جرى او مطالبة شعبية ارادت الانضمام الى دولة الكويت .. ولنفرض ان هذا حصل فكيف ستتصورون الحياة في البصرة بدون العراق ؟ وكيف تتصورون العراق بدون البصرة ؟ وكيف تتصورون الدولة الجديدة (دولة الكويت البصرية) التي ولدت من رحم الاستفتاء والديمقراطية ؟!!
اجعلوا خيالكم خصباً وعقلكم رحباً وتفكيركم من اللب موجباً.. وانبذوا عنكم تبعيتكم الى احزابكم واسيادكم الذين يتحكمون فيكم من خارج بصرتكم وداخلها وانظروا الى مستقبل عيالكم وحاولوا ان تركنوا للعيش الهنئ والحياة الخالية من الدماء والقتل والقتال فقد مللنا موتنا وذبح ابناءنا مهما كانت الاسباب .. وانظروا بعين البصيرة كيف ستكون البصرة الكويتية ؟!
ان ما شدني الى هذا المقال اضافة الى ما قدمت من موصل التركية وكركوك الكردية والانبار الاردنية .. هو موقف امير الكويت وحكومته بعد التفجير الارهابي في مسجد الامام الصادق عليه السلام .. حيث هز موقف هذا الرجل الحكيم العالم جاء باكياً يسنده من حوله لا تحمله رجلاه الى مكان الحادث ولما سُئل : لماذا يبكي ؟ .. قال بصدق القلب : انهم عيالي ..!! لم يفرق بين مذهبهم وانتمائهم رغم اختلافهم المذهبي .. الا انه جعل الوطن فوق كل انتماء وابناءه سواسية وخصوصاً لما تبع فعله هذا بقرارات اخرى اجاد بها على عوائل الشهداء وجرحاهم .. الا يستحق مثل هذا الموقف ان تتمنى ان تكون البصرة كويتية ؟ .
نوح السائح
تموز 2015