ما الذي يجعل أمةً ما تختلف عن غيرها؟ الثقافة، الدين، السياسة، الجغرافية، أم نوع المهن التي يتعاطاها الناس؟ هنالك مهن متميزة وغريبة توجد في دول معينة فقط، حيث يحتاجها الناس عادةً.
سلامة مرورية حاسمة
في بوليفيا، يرتدي منظمو حركة المرور ملابس حمار الوحش "Zebra"، لفرض تطبيق قواعد السلامة المرورية؛ فلو توقفت سيارة على منطقة عبور المشاة، يصعد الحمار الوحشي فوق مقدمة السيارة وهو يصرخ، لافتاً أنظار السائق والناس معاً الى المخالفة. يُعرف أولئك الأشخاص باسم "حمار وحش المرور-Traffic Zebras "؛ وهم شباب يوظفهم برنامج إجتماعي يوفر لهم العمل لجمع اجور الدراسة.
وفي مناطق نائية بفيتنام، يرتفع منسوب مياه الأنهر في موسم المطر، فيطغي على الضفاف ويجري سريعاً، ما يجعل من عبور النهر مسألة صعبة للأطفال الذاهبين الى المدارس. ولحل تلك المشكلة، يعمل رجالٌ محليون (أو الوالدان أحياناً) على حمل الأطفال سباحةً عبر النهر، بعد وضعهم في أكياس بلاستيكية تُقفل عليهم؛ للحفاظ على سلامتهم ولمنع البلل!
راكب بالأجرة
ينزعج الكثيرون من الجلوس طويلاً في السيارة خلال الاختناق المروري، فلا عجب إذا ظهرت مهن جديدة بفعل القوانين المتغيرة. ففي طهران، يُدفع لبعض الناس ليسيروا خلف السيارات، حتى لا تتمكن كاميرات المراقبة المرورية من إلتقاط رقم السيارة المُخالفة. ظهرت هذه المهنة بعد لجوء السلطات المرورية لتحديد أعداد السيارات في المناطق المركزية المزدحمة من المدينة حسب الأرقام الزوجية والفردية بالتناوب (للحد من الزحام والتلوث)، ونصب كاميرات المراقبة لكشف المخالفين.
وكذلك الحال في الصين التي تشكو مدنها من اختناقات مرورية حادة؛ هنالك من يدفع النقود لشخصين يركبان دراجة نارية؛ يجلس أحدهما مكانك عند عجلة قيادة سيارتك، ويوصلك الآخر الى وجهتك على الدراجة النارية.
وفي العاصمــة الأندونيسيـــــــة جاكارتا، وللالتفاف حول متطلبات الحد الأدنى للركاب، التي فرضت الدولة تطبيقها خلال ساعات الذروة المرورية، يعمد السائقون لاستئجار شخص أو أكثر يُعرف باسم "الجوكي- Joki". هذا الشخص يمكن إيجاده في أغلب الشوارع، وهو يبحث عمّن يستأجرهُ (أو يستأجرها) كراكب إضافي لاستكمال عدد الراكبين المطلوب للسيارة الواحدة.
تعتبر طوابير الانتظار الطويلة من السمات اليومية المألوفة في المدن البولندية؛ وهناك يمكن للمرء أن يستأجر شخصاً متخصصاً بالوقوف محله لحفظ مكانه في الصف. يقول المواطن البولندي "إيغور سوتشوك": "تغير النظام السياسي والإجتماعي في بلدنا منذ عشرين عاماً؛ لكن العقلية لم تتغير. وفي حياتنا الكثير من الانتظار.. من شراء الخرائط الى العلاج الطبي أو التقدم لشغل وظيفة. فماذا لو كان علينا التواجد في أكثر من طابور انتظار في آنٍ واحد؟ هنا يكون الحل باستئجار شخص يحفظ مكانك".
عسل الجبال
قد تؤدي الجغرافية المعقدة الى تعزيز ظهور وسائل خلاّقة نحو غايةٍ منشودة؛ ففي قرى النيبال النائية، تستمر حتى اليوم مهنة جمع العسل (التي يتوارثها الأبناء عن الآباء) من على المنحدرات الحادة حيث يعيش النحل البري ويبني خلاياه. تظهر البراعة العالية لجامعي العسل المحليين في تعليق انفسهم بالحبال، والتدلي من مرتفعاتٍ حادة تناهز إرتفاعاتها الثلاثمئة متر، مستخدمين أدراجاً مصنوعة من خشب البامبو وحبال القنّب، بينما يجمعون الخلايا وعسلها.. بأساليبَ تثير الدهشة والإعجاب.
وفي استراليا، ذات المساحات الممتدة الواسعة، قادت الجغرافيا الى ظهور "خدمات الطيران الملكي الطبية"؛ وهي خدمة إيصال الأطباء الى المرضى في أماكن نائية ومعالجتهم. وعنهم يقول "ديفيد ستيوارت": "وطننا كبير جداً لكن عدد السكان قليل، لذا يعيش العديد في أمكان نائية متباعدة، يتطلب بعضها مسيرة يومٍ كامل بالسيارة قبل الوصول الى أي مدينة. وهكذا ظهرت فكرة إنشاء خدمات طبية طائرة في العام 1928.. ولا تزال تعمل حتى اليوم".
وجبات منزلية ساخنة
غالباً ما تبتهج النفس بتناول وجبة غذاء ساخنة، وفي الهند يصح هذا القول بالتأكيد؛ إذ يُفضّل العاملون عادةً تناول وجبة مطبوخة منزلياً تصلهم في "دابا- Dabba"؛ وهي حافظة معدنية إسطوانية بعدة طبقات موضوعة فوق بعضها البعض، بدلاً من الطعام الجاهز. ولولا خدمات حاملي أواني الطعام، المعروفين باسم "Dabbawalas"؛ لشعر الكثير من سكان مومباي بالإحباط. يصف المواطن الهندي "مورالي كريشنان" عملهم قائلاً: "يجمع العاملون بهذه المهنة أواني الطعام، ذات الوجبات الساخنة حديثة الطهي، من منازل العاملين والطلبة، ويقومون بإيصالها اليهم في أماكن عملهم أو دراستهم. ثم يعاودون نقل الأواني الفارغة الى المنازل، مستخدمين الدراجات الهوائية أو القطار عادةً، يعمل بهذه المهنة نحو خمسة آلاف شخص، يُغطون مساحة تعادل سبعين كيلومتراً مربعاً في مدينة مومباي وما حولها، وينقلون نحو 400 ألف حافظة طعام يومياً. في كل هذه العملية لا يتم استخدام قطعة ورق واحدة، ولا توجد سجلات؛ بل علامات أو ألوان وأرقام مختلفة توضع على كل حافظة لتذكير العمال بمواقع تسليمها". هؤلاء الأشخاص لا يعملون لدى أحد بل لحسابهم الخاص؛ فهم أصحاب عمل يمتلك كل منهم أسهماً متساوية في شراكة نقل وتسليم الحافظات الغذائية، ولا يعتمدون على التكنولوجيا الحديثة، بل على كفاءة العاملين، لكنهم بدؤوا مؤخراً بتسلم الطلبات عبر الرسائل الهاتفية القصيرة. أغلب العاملين من غير المتعلمين، ولربما حاز بعضهم على مبادئ الدراسة الأولية فقط. على الغالب لا تتوقف هذه الخدمة أبداً، حتى في ظروف الطقس العاصف؛ كموسم الأمطار الموسمية مثلاً.
مجلة "فوربس" الأميركية للأعمال قيّمت كفاءة هذه المهنة، رغم تعقيداتها؛ فقد كانت نتائجها مبهرة: حدوث خطأ واحد في كل ثمانية ملايين عملية تسليم (أو واحد من كل 16 مليونا، إذا حسبنا رحلة الإياب!). دعت مدارس إدارة الأعمال والجامعات والمؤسسات الاقتصادية من أرجاء العالم أعضاء من هذه الشراكة لإلقاء المحاضرات عن كفاءاتهم الإدارية. وأبدى العديد من الشخصيات المعروفة إعجابه بعملهم وتلقَي خدماتهم، ومنهم الأمير "تشارلز" ولي عهد بريطانيا.
قد تكون هذه المهنة الأكثر مراعاةً للبيئة؛ لإنها لا تستخدم وقوداً ملوثاً على الإطلاق، بل وسائل المواصلات العامة الموجودة فعلاً- كالقطارات، أو الدراجات الهوائية والعربات اليدوية.. وهذا أمرٌ رائع! وأخيراً: هذه المهنة معتمدة في المعايير الدولية، برقم "ISO 9001"؛ اعترافاً وتقديراً لجودة نظام الإدارة فيها.
البؤس يحب المشاركة
يتساءل الهندي "أبهيلاش باتنايك": "هل سمعتم يوماً عن نادبات محترفات؟ في بعض المناطق من إقليم راجستان الهندي، من المألوف استئجار بعض النسوة اللواتي يعملن نادباتٍ محترفات، بعد وفاة أحد الأقارب الذكور". تُدعى أولئك النسوة "رودالي- rudaali"؛ وترجمتها الحرفية: المرأة الباكية، ويتم استئجارهن للتعبير علناً عن حزن أفراد العائلة اللواتي لا يُسمح لهن بعرض مشاعر الحزن بسبب مكانتهن الإجتماعية.
تعمد الرودالي للبكاء بصوتٍ عالٍ يلفت النظر، ويجعل تأثير بكائهن باقي الحضور في المأتم يبكون أيضاً.
ترتدي الرودالي السواد دائماً، وعليها البكاء وهي جالسة، صارخةً بصوتٍ عالٍ ولاطمة على الصدر والأرض. إنهن يذرفن دموعاً إحترافية، بعد جمع المعلومات المفصلة عن الشخص المتوفى، وعن المقربين اليه من النساء والرجال.
يا للهند العجيبة!