لا عمل أعظم في ليلة عاشوراء ويومها من الجزع على الحسين عليه السلام بكل مظاهره، وقد ورد في حديث شريف: إن الجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي عليه السلام فإنه فيه مأجور.
والجزع غير الحزن ومظاهر الجزع ليس في الدمعة التي لا تتصاحب مع شهقة القلوب واضطراب الأفئدة وهمل العيون بأمواج الدموع وتيبس الحلقوم من صرخات التوجع لآلام ابن بنت رسول الله صلوات الله عليه وآله، الجزع ان تخرج عن المألوف من صور الحزن.
لقد بات الحسين عليه السلام وأصحابه واهل بيته في ليلة العاشر في تهجد وصلاة ودعاء كل ذلك كان قبل الشهادة، ولكن ما بعد الشهادة كان أئمة أهل البيت عليهم السلام في حال الجزع العظيم إذا دخل المحرم وأعظم جزعهم بأبي وامي في ليلة ويوم العاشر، الليلة يجب أن نضع صورة علي الأكبر عليه السلام كيف سيتقطع غدا وكيف سيلتاع قلب المولى أبي عبد الله عليه السلام وهو يراه مقطعا إربا إربا؟
وكيف سوف تتفجع أم القاسم لولدها القاسم بن الحسن عليه السلام؟ وكيف سيتلقى المولى أبي عبد الله عليه السلام صوت القاسم وهو يناديه عمّاه أدركني!!!
وكيف سينظر العباس عليه السلام إلى عيالات رسول الله صلى الله عليه وآله؟ ومرارات القلق وهواجس القسوة القادمة عليهم، يجب ان نتواصل مع كوة من قلبه بأبي وأمي وهو يرى الحوراء العقيلة مخدرة اليوم ومسبية الغد، عقيلة بني هاشم التي ستحرم من بني هاشم، سيدة بني هاشم التي ستضرب وتشتم وتسبى في الغد، ولقد ورد في الحديث الشريف عن أبي حمزة الثمالي أنه حينما قال للإمام زين العابدين إن القتل لكم عادة وكرامتكم من الله الشهادة أنه عليه السلام قال له: بلى يا ابا حمزة إن القتلى لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة ولكن هل سبي عمتي زينب لنا عادة؟؟؟
وكيف سيتلقى الإمام الحسين خبر العباس عليهما السلام؟ لا بل كيف ستتلقى الحوزراء زينب خبر مقتل كافلها عليهم السلام؟
وكيف سيكون حال المولى أبي عبد الله وهو ينظر لولده عبد الله وقد ذبح من الوريد إلى الوريد؟
بل انظر إلى المشهد حين تحضر الزهراء عليها السلام وهي تبحث عن ولدها الحسين عليه السلام بأي طريقة ستبكي بأي طريقة ستلطم وجهها بأي طريقة ستصرخ، حاول أن تتلمس طريقة توجعها وتسمع لطبيعة أنينها وتحس بجمرة فؤادها وإن ذلك ليس بمقدور أحد ولكن الاقتراب ولو بجزء صغير يجعلك تحسب على المعزين لفاطمة المسعدين لقلبها.
استذكروا جلد الصديقة البريئة رقية وعطش السيدة سكينة وصرخات أم كلثوم وفاطمة ورقية وخديجة بنات أمير المؤمنين عليه السلام وهم بين آلام الرزء بما جرى ومرارات السبي وغصص إزراء الزمان بهم.
تذكر كيف سيكون حال المولى صاحب الزمان روحي وأرواح العالمين له الفدا كيف سيكون في هذه الليلة وكيف سيكون في يوم غد بأي قلب سيتفجع وبأي صوت سيصرخ وكيف سيجسد غدا قوله: لا أبكين عليك بدل الدموع دما.
وكيف سيكون حاله لو بكي الباكون وندب النادبون وضج الضاجون وصرخ الصارخون كما أراد منا أن نكون في دعاء الندبة.. كيف سيكون ندبه بأبي وأمي؟ وكيف سيكون بكاؤه؟ وكيف سيكون ضجيجه وصراخه؟
لا تمر عليكم الليلة يوم غد وانتم بعيدون عن التواصل مع قلب رسول الله صلوات الله عليه وآله وهو يرى عائلته مضرجة الدماء مذبوحة الرؤوس مقطعة الأشلاء بل كيف سيكون حاله وهو يرى حبيبه الحسين والخيل تدوس صدره الشريف فتكسر أضلاعه وتشخب دماءه
بل تعال واجلس وانظر أمير المؤمنين وهو يرى عزيزه الحسين وحبيبته الحوراء ما يفعل بهما وتأمل حاله كيف سيكون وبأي طريقة سيتلقى المصاب وكيف سيتفجع وكيف سيتألم وكيف سيجزع؟
رحم الله من وعى نداء الحوراء زينب وهي تنادي:
أي وا حسيناه
اي وا شهيداه
اي وا مظلوماه
ألا رحم الله من وعى صراخاتها: ألا من ناصر ينصرنا أهل البيت
ألا من ذاب يذب عن حرماتنا أهل البيت
ثم احرص كل الحرص أن تكون مشمولا بمن وصفهم دعاء الإمام الصادق عليه السلام الوارد في حديث شريف لزوار الحسين والذي يقول في بعض منه: اللهم ان أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم ، فلم ينههم ذلك عن
الشخوص إلينا خلافا منهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي
غيرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة
أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وارحم تلك الا عين التي جرت
دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا ،
وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا .
اللهم إني أستودعك تلك الابدان وتلك الأنفس ، حتى توافيهم
من الحوض يوم العطش.
هذه هي الصورة التي يجب ان نكونها في ليلة عاشوراء ويومه كي نحظى في ان نكون ممن يدخل السعد على قلب سيدة النساء فاطمة الزهراء بأبي وأمي وهي من وصف الإمام الصادق عليه السلام بكاء الملائكة تأثرا لبكائها بأبي وأمي بأوصاف عجيبة منها انه قال: لو أن صوتا
من اصواتهم يصل إلى الأرض لصعق أهل الأرض وتقطعت الجبال وتزلزلت الأرض
لا تتأثروا بمن يحاولون ان يسخروا منكم ويستنكرون أعمالكم فلقد سخر من قبلكم بمن هو أشرف منزلة منا ومنكم وبمن هو أقدس مقاما منا ومنكم ولم يبال احداً من أهل البيت عليهم السلام بكل هذه الأمور وكان رائدهم دوماً منهج إحياء أمرهم صلوات الله عليهم هذا المنهج الذي يلخص الإمام الحجة المنتظر روحي وأرواح العالمين له الفدا موقفه في ليلة ويوم عاشوراء بالقول كما في دعاء الندبة:
فعلى الأطائب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما
والهما ، فليبك الباكون ، وإياهم فليندب النادبون ، ولمثلهم فلتذرف
الدموع ، وليصرخ الصارخون ، ويضج الضاجون ، ويعج العاجون .
أين الحسن أين الحسين؟ أين أبناء الحسين؟
جعلنا الله وإياكم ممن أبصر بقلبه عظيم فاجعة أهل البيت ع ووعى بروحه كيف يواسيهم ويرخص الدم في سبيلهم ويستعد دوما وأبدا لطلب الثار مع إمام منصور من أهل بيت محمد صلوات الله عليه وآله ولا حول ولا قوة إلا بالله
رزقنا الله وإياكم كرامة المتفجعين للحسين عليه السلام وآل الحسين
وأكرمنا الله وإياكم بحظوة المعاهدين للزهراء ان لا يذروا طريق الحسين وهم يهتفون: أبد والله يا زهراء ما ننسى حسيناه