أربيل8 آيار/ مايو (PNA)- قيل الكثير الكثير عن الصواريخ التي أطلقها نظام صدام حسين على أسرائيل سنة1991، أثناء الحملات الجوية المكثفة على العراق من قبل التحالف الدولي آنذاك، لأجبار النظام على الرضوخ للقرارات الدولية والخروج من الكويت التي احتلتها القوات العراقية في الثاني من آب/أغسطس 1990.
كتب الكثير من القادة السياسيين والعسكريين من الأطراف الثلاثة(العراق، دول التحالف، اسرائيل) مذكرات وكتب وأبحاث ومقالات ونشروا وثائق عدة، وبطبيعة الحال اختلفوا في المعلومات ووجهات النظر وحتى العدد الحقيقي للصواريخ التي اطلقت على اسرائيل، فمنهم من يقول 39 ومنهم من يصر انه كان ثلاثة وأربعون صاروخا.
وتحدث الكثيرين عن الدوافع السياسية والعسكرية التي حدت بالنظام الى ضرب اسرائيل بالصواريخ وأرض العراق تمطر يوميا بالأطنان من القذائف والقنابل من تحالف دولي (ليست) بينها (على الأقل بالشكل المعلن) اسرائيل، حتى أصيبت البنى التحتية للعراق في الصميم، ولكن الشئ الغريب الذي اجمعت عليها معظم تلك الكتب والمذكرات والمعلومات والوثائق وبقيت كحلقة مفقودة هو: من أين أطلق جيش صدام صواريخه على اسرائيل؟ هذه الحلقة التي لم يقال عنها الكثير حتى بعد سقوط النظام وتمركز وحدة أمريكية عند بقايا منصات اطلاق الصواريخ تلك.
التقتينا بمواطنين وهم شهود عيان لتلك الضربات الصاروخية، شهود شاهدوا كتل نارية ضخمة وفي خضم الحرب على العراق في 1991 وهي تنطلق من قمة "چل ميرا"، القمة الأعلى لجبل شنگال، غربا ليسمعوا بعد سويعات من الاذاعات العالمية بان صواريخ قد سقطت في اسرائيل والنظام العراقي يعلن مسؤوليته عن اطلاقها.
جبل شنگال وقمة چل ميرا
جبل شنگال، جبل ليس ككل الجبال، فهو داخل في كل صغيرة وكبيرة من تأريخ المنطقة، التي شهدت ما شهدت، ومنذ العصور الغابرة، حتى قبل الامبراطورية الرومانية مرورا بالحملات(الفرمانات) الاثنين والسبعين العثمانية على الكرد الايزيديين تارة وعلى المئات من العوائل المسيحية التي هربت من تركيا اثناء حملات ابادة الأرمن، واحتمت بشنگال وأهلها تارة أخرى، وصولا الى زمن نظام صدام حسين وحروبه ابتداء من سبعينات القرن المنصرم، على أهل شنگال وجبلها واجبارهم على الاختيار بين الأمرين: القتل أو ترك الجبل، موطن أجدادهم واسكانهم في مجمعات قسرية، تفتقر الى يومنا هذا، الى أبسط مقومات العيش الكريم، وكذلك حروبه يمنة ويسرى، شمالا وجنوبا، حتى وصل به الأمر الى أن يخلط بين حربه على أهل الجبل وحروبه الخارجية تلك.
ينتصب جبل شنگال شامخا في وسط الجزيرة الشمالية الغربية للعراق بطول 77كم ينتهي غربا على الحدود السورية وبعرض 13كم ويبلغ ارتفاعه في أعلى قممه؛ قمة "چل ميرا"، حوالي 1470م فوق مستوى سطح البحر. وقمة "چل ميرا" هذه، تعني بالعربية "الأربعين رچل"، والأسم له قصة في الميثولوجيا الايزيدية، ومأخوذ من اسم المزار المقدس عند الكرد الايزيديين، وتزور المزار العشرات من العوائل الايزيدية يوميا، طبعا بعد سقوط النظام السابق، لأن جيش النظام كان يتخذ من القمة، وعند المزار المقدس بالضبط، موقعا عسكريا هاما.
وعن سبب اختيار جيش النظام السابق لجبل شنگال، منطلقا لضرب اسرائيل، يقول اللواء، سالار جباري، وهو من قادة أركان قوات البيشمركة في كردستان، والذي كان ضابطا بالجيش العراقي، "جاء اختيار جبل شنگال لأنه أعلى أقرب نقطة عراقية عن اسرائيل".. وأعرب عن اعتقاده، بان الأختيار كان له سبب أو مغزى سياسي كذلك، وهو، على حد قول اللواء، "ليورط المنطقة وأهلها بردود الفعل المتوقعة من طائرات التحالف الدولي، فتقوم بالرد على مصادر النيران وتوقع خسائر بين أهالي المنطقة التي چل سكانها تقريبا من الكرد الايزيديين".
شهود عيان من الجبل
وللتعرف على شهادات أهل مدينة شنگال وجبلها، وما تختزنه ذاكرتهم من أيام الحرب وكيفية اطلاق الصواريخ، فالتقينا المواطن، قاسم شنگالي، العائد من احدى الدول الأوروبية حيث يعيش منذ ستة عشرة عاما، هربا من ملاحقة الأجهزة الأمنية له في شنگال، وكان يسكن مركز مدينة شنگال، وروى لنا ما رآه "في احدى الليالي شاهدت بالصدفة قافلة من شاحنات مدنية برفقة قوة عسكرية تابعة للنظام السابق محملة بمعدات كبيرة ومغطاة وهي متجهة صوب الجبل".. وأشار شنگالي "وعندما بدأت الحرب والضربات الجوية تنهال على العراق، فوجئنا ذات ليلة شباطية باهتزاز بيوتنا وكأنها ارتدادات زلزالية، واذ بنا نرى في سماء شنگال، كتلة نارية ضخمة تنطلق من قمة الجبل متجهة غربا، وتوالت الكتل النارية تلك الليلة والليالي اللاحقة".
وأخيرا، قصدنا بيت، الفقير، ناصر خدر خلف، في قرية "كولكا" على سفح جبل شنگال، و"الفقير نسبة الى طبقة الفقير، وهي احدى طبقات المجتمع الايزيدي"، حيث قال "قبل بدأ الضربات الجوية ومن ثم الحرب على العراق لأجبار صدام على خروجه من الكويت بأكثر من شهرين سمعنا وسمع أهل القرى الموجودة على سفوح جبل شنگال وحتى البعض شاهد بام عينه سيارات كبيرة وهي تحمل معدات ثقيلة وتصعد قمة "چل ميرا"، ولكننا لم ندرك بانها صواريخ عملاقة ومنصاتها ومعداتها الا أن فوجئنا وفي خضم الضربات الجوية، بكتل نارية مضيئة ضخمة تنطلق من قمة "چل ميرا" متوجهة غربا وبيوتنا الطينية تهتز وتجعل ليالي القرى المارة في سمائها نهارا".
وأضاف "في الساعات الأولى لأنطلاق تلك الكتل النارية من فوقنا، لم نكن نعلم ماهي واذ بنا نسمع بعد ساعات من الاذاعات العالمية بان تلك الكتل، ما هي الا صواريخ أرض – أرض الذي سمعنا عنها وسبق أن شاهدناها من على شاشة التلفزيون العراقي أثناء الحرب العراقية – الايرانية. وهي تنطلق من جبل شنگال لتسقط في اسرائيل.
وأكد الشاهد الحي، "كما كانت هناك منصات متحركة تطلق منها الصواريخ من قرى اخرى كقرية "باره" وهي تقع في نهاية جبل شنگال من الجهة الغربية ويبدو ان قوات التحالف الدولي قد رصدت مكان تلك الصواريخ المتحركة حيث قامت ذات يوم ومباشرة بعد اطلاق الصواريخ من قرية "باره" وضربت القرية، وأدت القصف الى مقتل ثلاثة مواطنين وخسائر بالممتلكات.
سؤال بلا جواب الى حين
بادرت الفقير، ناصر، بالسؤال: هل تعرض المنصتين الثابتتين العملاقتين على قمة الجبل للضربات الجوية أثناء الحرب؟ أجاب فقيرنا المضياف، الذي رافقنا الى "چل ميرا" وكان حريصا على اكمال التقرير: لم نرى ولم نسمع.
وهنا بادر الى ذهني تساؤل لايخلو من (الخبث): كيف لم تكتشف قوات التحالف بطائراتها وكل معداتها التجسسية ومخابراتها، موقعا ثابتا ومنصات ثابتة تطلق منها الصواريخ واستطاعت أن تكشف المنصات المتحركة وتضرب الموقع بعد اطلاق الصواريخ بسويعات؟ طبعا لم أسأل الفقير، هذا السؤال لانني على يقين بعدم معرفته بالجواب، ليس هو فحسب، بل جميعنا، نحن ضحايا حروب صدام المجنونة، ربما، أقول ربما، نجد الجواب الشافي ذات يوم في مذكرات أحد الساسة أو اللاعبين الكبار.