“قُلْ للمليحة في الخمار الأسود” قصيدة تُغنّى منذ 1300 سنة


“قُلْ للمليحة في الخمار الأسود” قصيدة تُغنّى منذ 1300 سنة
في التراث الإنساني، هناك بعض القصائد والأغنيات والأمثال والحكايات المحفورة في الوعي الجمعي، يحفظها الصغير قبل الكبير، ولكن لا نعرف من قالها أو كتبها، ونجهل سبب حدوثها وما إذا كانت واقعًا أو محض خيال، سنتحدّث عن أغنية شهيرة، مازالت تُغنّى منذ أكثر من ألف سنة، إنّها أغنية “قل للمليحة في الخمار الأسود”، الّتي غنّاها مطربون، في عصرنا، كُثْرٌ، أشهرهم صباح فخري.
مـــن هـــو قائــل القــــصيدة؟
هو ربيعة بن عامر التميمي، الشهير بــمسكين الدَّارمي، وهو أحد سادات قبيلة بني دارم الّتي كانت تُوجد في العراق في عهد الدولة الأمويّة، برز فيها شعراء مُجيدون، أشهرهم على الإطلاق: الفرزدق.
وسبب تلقيبه بالمسكين هو بيت شعر قاله:
أنا مسكين لمَن أنكرني — ولِمَنْ يعرفني جدٌّ نَطِق
ويمن المرجّح أنّه وُلد في عصر الخلافة الراشدة، وتُوفّي سنة 89 للهجرة، المصادفة للسنة 708 من الميلاد.
وكانت له صلات وثيقة مع معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد؛ فكان يفِدُ بين الفينة والفينة إلى دمشق مادحًا خلفاءها، ونجد في شعره مقاطع في مدحهما.
شمل شِعر الدَّارمي كافّة أغراض الشعر المعروفة في عصره من فخر وحماسة وهجاء ورثاء ومدح وغزل، لكنّ جاء في باب الحكمة والأمثال.
لكنّ شهرته تحقّقت بكتابته للقصيدة الّتي يقول مطلعها: “قُلْ للمليحة في الخمار الأسود”
قـــصّة كـــتابـة هــذه القـــصيدة:
حسب روايتيْ ابن حجّة الحموي في كتابه “ثمرات الأوراق“، وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه الشهير “الأغاني“:
“قَدِمَ تاجرٌ إلى المدينة يَحمِلُ مِن خُمُرِ العراق، فَباعها كُلَّها إلا السود، فشكا إلى الدارِمي ذلك. وكان الدارِمي قَد نَسكَ وتَعبَّدَ، فَعمل أبيات وأُمِرَ مَن يملك صوتًا رائعًا، يُغَنِّي بِهما في المدينة:
قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ — ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ
قَد كان شَمَّرَ للصـــلاةِ إزارَهُ — حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ
رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصـــيامَهُ — لا تَقتُليهِ بِحَـــقِّ دِيــنِ مُحَــمَّدِ

فشاعَ الخبرُ في المدينة أنَّ الدارِمي رَجعَ عَن زُهدِه وتَعشَّقَ صاحِبةَ الخِمارِ الأسود، فَلم يَبقَ في المدينة المنوّرة فتاة أو سيّدة، إلّا اشترت لها خماراً أسود. فلمّا أنفذ التاجر ما كان معه رَجعَ الدارمي إلى تَعَبُّدِه وعَمدَ إلى ثِيابِ نُسكِه فَلَبِسَها.
قصيدة “قُلْ للمليحة” تتجدّد في القرن العشرين
في القرن العشرين اشتهرت القصيدة بصوت المطرب الأسطورة صباح فخري إلى درجة اقترانها به، إلّا أنّه لم يغنّي قصيدة الدارمي كما هي، بل غنّى النسخة المنقّحة منها إن جاز لنا القول.
فهذه الأغنية في صيغتها المعاصرة تعود إلى عمل جمع بين الفنّانيْن العراقيّيْن أحمد الخليل وشعوبي إبراهيم. فعندما أراد أحمد أن يلحّنها من جديد طلب من شعوبي أن يضيف إليها بعض الأبيات.
فعمل شعوبي إبراهيم على تخميسها، فأصبحت بُنية القصيدة وكلماتها على هذا النحو:
يا داعياً لِلّهِ مرفوع اليدِ
متضرّعًا متوسّلاً بالمُنجد
يا طالبًا منه الشفاعة في غدِ
قُلْ للمليحة في الخمار الأسودِ — ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبّدِ
وبعد هذا التخميس وزيادة أبيات القصيدة، أضاف عليها الملحّن أحمد الخليل نكهة صوفيّة خالصة من مقام السيكا العراقي لتتناسب مع كلمات القصيدة، ولم يُسجّل هذا اللحن بعد زيادة أبياتها إلى أن قامت الباحثة الموسيقيّة فاطمة الظاهر بتسجيلها.
وقد غنّاها مُطربون كُثرٌ، كلّ بطريقته الخاصّة. لعلّ أبرزهم صباح فخري وسلاطين الطرب وناظم الغزاليوهيام يونس وغالية بن علي وأميمة الخليل والفنّانة الموريطانيّة ديمي منت أبا، وغيرهم كثيرون…
وتُعتبر هذه القصيدة دليلًا واضحًا على ارتباط الفنّ بالواقع المادّي الاقتصادي الاجتماعي، فهو نتاجه ومُطوّره، فهو يُنتج النموذج الجمالي (ارتباط الجمال باللون الأسود) في تفاعل مع السلطة الدينيّة والاجتماعيّة والثقافيّة المهيمنة في ذلك الوقت (إجباريّة ارتداء الخمار) ليستفيد منه المجال الاقتصادي لارتباطه في هذا الموضع بحادثة كساد التجارة وواجب الدعاية لها بطريقة مختلفة.
وهذا يذكّرنا بحادثة صغيرة تبرز الدور العظيم للفنّ في تغيير زوايا نظر الآخرين وآرائهم ومعتقداتهم بطريقة سلميّة لا يحكمها سوى منطق الجمال.
فقد كان شاعر يتجوّل ذات يوم في المدينة، فوجد متسوّلًا ضريرًا جالسا في الشارع وهو يرفع لافتة كُتِب فيها: “أنا أعمى”. وكان الناس لا يُعيرونه اهتمامًا كبيرًا رغم مظهره المُزري.
فأخذ الشاعر اللافتة الصغيرة من المتسوّل، وكتب فيها جملة ثمّ مضى في حال سبيله.
وبعد سنة، وحين كان الشاعر مارًّا بالصدفة، وجد المتسوّل فسأله عن أحواله. وحين تعرّف إليه هذا الأخير، أخبره بأنّ أغلب الناس أصبحوا يساعدونه ويهبونه بعض العطايا منذ أن كتب له تلك الجملة. ثمّ سأله عمّا كتب، فأجاب الشاعر:
“لقد عوّضت جملة أنا أعمى بجملة أخرى هي: سيأتي الربيع، ولن أراه“.
هذا كلّ ما في الأمر.