طريقة احتفال المصريين بعيد الفطر من 250 عام
زار مصر في أواخر القرن 11هـ/17م الرحالة العثماني أوليا جلبي، ونقل مراسم الاحتفال بعيد الفطر، والتي تبدأ بخروج جُل الناس لرؤية الهلال، فإذا قال المحتسب إن غداً هو المتمم للشهر- أي يوم الوقفة - ابتهج الجميع، وفي يوم الوقفة هذا يتوجه رئيس الموسيقيين ومعه أتباعه إلى قصر الباشا بالقلعة، ويقام سرادق عظيم وخيام للعازفين وهم تسعة أطقم ومعهم حملة الطبول، ويقدمون اثني عشر فاصلاً موسيقياً، وطوال هذه الأمسية تقدم أدوار القهوة في أطقم مزخرفة إلى كل الحاضرين للحفل ويظلون على هذا حتى الصباح.
في الصباح يقيم الباشا صلاة الفجر في فناء سرايا القصر وما حوله من أماكن بالقلعة بعد أن تكون جهزت بآلاف الحصر، وفي هذه الأماكن يصلي الأعيان سنة الفجر، وعقب ذلك يقيم مؤذن الديوان الصلاة، ثم يقوم الإمام بتلاوة الآيات التي تتعلق بالعيد. وبعدها يقوم الفراشون برفع الحصر كافة، ويظل أهل الديوان كل منهم ثابت في مكانه، ويكون كتخدا الوالي ومعه الأغوات الـ 12 في كامل زينتهم وهم في وضع الاستعداد، ويكون الباشا بدوره في أتم أبهته، وقد وضع على رأسه العمامة السليمية وزينها بجوهرتين وعن يمينه السلحدار.
وما أن يخرج الباشا إلى ديوان قايتباي ويجلس على كرسي العرش حتى يجلس عن يمينه الكتخدا وعن يساره والي القاهرة وخلف الباشا يقف السلحدار وقد أمسك بيده سيفاً مرصعاً بالجواهر، ويقف بجواره الخوجه دار في كامل زينته، ويقف خلف الباشا أيضاً أغوات الداخل في أبهى حلة. أما أمام الباشا فيقف كتخدا الجاويشية ورئيس المترجمين وكتخدا حراس بوابات القلعة، وأغوات الديوان بزيهم الفاخر وعصيهم الفضية، ويقوم هؤلاء بمرافقة الباشا عند خروجه من الديوان.
ما إن يخرج الباشا حتى يكون في استقباله فرسه المطهم والمزين في أتم استعداد، وما أن يمتطي فرسه حتى يتقدمه جلادو المحتسب والصوباشي، ويسير أمامه الأغوات كل حسب مرتبته وهم مترجلون حتى يصل إلى ديوان سليم، وهناك كانت تحيط به الدعوات الخيرة من أهل الديوان، ويرددون: أطال الله في عمركم وعمره بخير الأعمال. هذا بينما تدق الطبول والمعازف حول الديوان وهم في الخيام المقامة لهم. وفي الديوان يكون في استقبال الباشا كل من أمير الحج والباشا قائمقام والباشا الدفتردار وسائر الأمراء ثم يصحبونه عند خروجه من الديوان.
بعدها يركب الباشا ويتبعه جلاد المحتسب والصوباشي وجملة الشطار وهم في أجمل صورة ويتوجهون إلى جامع السلطان قلاوون، وتكون عندئذ الشمس قد بدت واضحة في كبد السماء فيردد جميع المؤذنين تسع تكبيرات، ويُقام النداء لصلاة ركعتي العيد، فتؤدى الركعتان، وبينما يصعد الخطيب على المنبر يقوم كتخدا القبوجية بإلباس الخطيب جبة من الصوف الأبيض، وأثناء الخطبة يقوم خدام الجامع بنثر البخور والعطور على الحاضرين وتعطير الجامع. وما أن تنتهي الخطبة حتى يقوم الباشا بمصافحة الخطيب والمشايخ وإعطاء كل واحد منهم ألف بارة.
يتوجه الباشا بعد الصلاة إلى ديوان الغوري بالقلعة وسط تصفيق الجاوشية، حيث مكان سماط الفطر، وما إن يجلس على رأس السماط حتى يُوضع عليه ثلاثة آلاف طبق من شتى أنواع الأطعمة، ويكون على يمين الباشا أمير الحج والقائمقام وسائر الأمراء، وعن يساره يجلس الدفتردار وأغوات بلوكات أبي الكلام وأغا العزبان الذي يجلس في نهاية الصف. أما رئيس الطوبجية ورئيس عربات المدفعية والأغا المحتسب والصوباشي فهؤلاء جميعاً هم في خدمة الديوان في ذلك الوقت ولا يجلسون مع الباشا على السماط نفسه، بل يكون لهم سماط جانبي عليه الكثير من الأطعمة وتنهال عليه الأطعمة المشوية التي يلقيها الباشا عليهم. وما أن يبدأ الباشا بتقطيع الشواء قائلاً: بسم الله حتى يلتهم الجميع الطعام، وعندها يدخل الخدم ويتناولون ما يلقى لهم من الطعام. ما إن ينتهي الجميع من تناول الطعام حتى يدخل مئتان من الخدم وعمال المطبخ ويرفعون ما تبقى من أثر السماط وينظف المكان. ثم يدعو الباشا بدوام النعمة ويؤمن الجميع.
يتوجه الباشا بعد تناول الطعام إلى سجادة سليم ويجلس فوقها، عندها تطلق المدفعية أربعين طلقة احتفالاً وابتهاجاً بالعيد. بعد ذلك يقوم على الفور فراشو وخدام الديوان كتقليد قديم من أيام سلاطين المماليك الجراكسة بإحضار الأباريق والطسوت البرونزية والنحاسية التي تشبه الذهب، والقطع المختلفة من الصابون المسكي والعنبري، فيغسل الباشا يديه ويغسل الجميع بعده حسب مراتبهم ثم يجلس كل واحد في مكانه المخصص له. ما أن يهدأ المجلس حتى يقوم المنشد بترتيل الدعاء المستوحى من الآية الكريمة: «إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا»، ثم تنتقل للحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عندها يقف الجميع تعظيماً لشأن النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وبعد ذلك يتم الدعاء مرتين للسلطان العثماني ويمسح بالأيدي على الوجوه ثم ينهض الجميع وقوفاً ثم يتجهون إلى المكان المخصص لهم حتى يصطفوا على الترتيب ويقوموا بالسلام على الباشا وسط موجة من التصفيق.
بعد تمام السلام ينهض الباشا ويتوجه إلى قاعة العرض ويجلس على كرسي في قاعة قايتباي، ويبدأ الكتخدا بتقبيل يده فيلبسه خلعة بفرو سمور ثم يتوجه إلى مكانه الذي خصص له ثم يتلوه والي القاهرة ثم أفندي الديوان ثم المؤذن ثم التشريفتاجي ثم كتخدا القابوجية ورئيس البوابة الرئيسية للقلعة ثم يتتابع جميع المسؤولين في القلعة وكبار أعيان الدولة ويخلع على الجميع كل حسب رتبته. يحدث هذا في الوقت الذي يكون رئيس المهترخانية الخيمة السلطانية ومعه مئة وخمسون من أتباعه قد جهزوا ميدان السراي، ويقوم رئيس المشاعلية وهو وأتباعه بإنارة الميدان بمئتي شعلة، وكذا الحال في ديواني قايتباي والغوري. وهؤلاء جميعاً وغيرهم من رؤساء وظائف الخدمة يخلع عليهم الباشا الخلع السنية.
بعد صلاة الظهر يبدأ الأعيان والمشايخ في التوافد على القلعة لتهنئة الباشا بالعيد وهناك تقدم لهم القهوة والمشروبات الأخرى والحلويات المتنوعة ويخصص لكل ضيف من هؤلاء غلام لخدمته ومعه منشفة ليمسح فيها الضيف فمه ثم يتناولها الخادم مرة أخرى بعدها ينثر الخدم على هؤلاء ماء الورد والعطور ونحوها ثم يعقب ذلك مراسم إلباس هؤلاء الخلع الفاخرة في جو مملوء بالبخور والعطور. بعد ذلك ينصرف هؤلاء المشايخ إلى منازلهم، ويعقبهم مشايخ فرق الجند من الجراكسة والانكشارية وغيرهم فيقبلون يد الباشا ويهنئونه بالعيد ويفعل معهم ما فعل مع المشايخ والأعيان ويُكثر الباشا من التودد إليهم وتطييب خواطرهم وبخاصة الانكشارية لعظم مكانتهم. ثم ينصرفون إلى بيوتهم، ويستمر الناس في الدخول إلى الباشا لتهنئته بالعيد. وبعد انتهاء مراسم التهنئة يطلب الباشا فرسه ويخرج للتنزه.
كان ما سبق هو الصورة الرسمية للاحتفال. أما الاحتفالات الشعبية فقد اشتهر عند المصريين تأخيرهم لحفلات الزفاف حتى هذا اليوم لتزداد البهجة والسرور، ويقوم الناس بمعايدة بعضهم بعضاً في صورة جماعات، ويتمنون الخير بعضهم لبعض ويتباركون بالعيد، وخلال هذا اليوم أو أيام العيد لا يُشرب الشربات في المنازل قط بل تشرب السوبيا التي تصنع من نقيع الرز، وهي تصنع في مصر خصيصاً لهذه المناسبة قبل العيد بثلاثة أيام أو أربعة، وكثيراً ما يوضع عليها القرفة والقرنفل.