أجواء رمضان تعبق في ثنايا تقاليد وحياة شعوب دول البلقان خلال الشهر المبارك


رمضان في دول البلقان

تمثل منطقة البلقان موئلا للعديد من الحضارات والأمم حيث تجمع بين ثناياها سحر الشرق والغرب مجتمعين وطبيعة جغرافيتها وموقعها المتميز في أوروبا التي وإن اختلفت عاداتها وإرثها الحضاري إلا أنها تتأثر بطبيعة الشعوب التي سكنتها، مستنيرة بتلاقح إرثها الحضاري مع طبائع الأمم الوافدة، كالعرب والفرس والأتراك وغيرهم.
وفي السنوات الأخيرة، زاد الاهتمام بدول منطقة البلقان الأربع، أولها البوسنة والهرسك، ثم ألبانيا، فكوسوفو، وأخيرا مقدونيا الشمالية، لا سيما في أعقاب عقدين من الحروب والصراعات، رافقتها مجازر وحشية وتغييرات ديمغرافية وحضارية، أثرت على شعوب هذه الدول.
ومع دخول شهر رمضان المبارك، تبدأ في الدول الأربع فعاليات مخصوصة، وتنشط السياحة الدينية أو سياحة الثقافات، والاحتفال بالمراسم والطقوس الدينية الحافلة بتقاليد وماضي الشعوب الأربعة، حيث يحتفل البوسنيون بما يسمى بمهرجان رمضان، إذ تعمد السلطات المحلية إلى تزيين الشوارع والمساجد والساحات العامة، وتغيير نظام العمل لفسح المجال لإقامة الكثير من حلقات الذكر والمحاضرات الدينية ومعارض المنتجات المنزلية خصوصا في سوق "باش تشارشي" المبني على الطراز العثماني، ويزيد ارتداء التجار لزيهم التقليدي في رونق الأجواء، ويبرز من مباني البلاد مسجد "فرهادية" وإلى جواره عدد كبير من المقاهي الشعبية.
وفي مسجد "غازي خسرو بك"، الذي بناه العثمانيون عام 1530م في العاصمة البوسنية سراييفو، ثمة حضارات إسلامية متنوعة بعضها من تركيا ومنها ما هو قادم من إندونيسيا، وصولا إلى طبائع بعض الدول الخليجية التي حضرت بقوة في السنوات الأخيرة بفعل بناء المساجد هناك.
وغير بعيد عن مسجد "غازي خسرو بك"، تشد الأنفاس رائحة الأطعمة الرمضانية، ومنها خبز "السومون" الطازج قبيل الإفطار الذي يحتفظ البوسنيون بتقاليد صناعته التقليدية، إذ يكثر استهلاكه بكميات كبيرة وبأحجام ونكهات مختلفة تتناسب مع المطبخ البلقاني الغني باللحوم والتوابل، وفي مقدمتها لحم الكباب والسلطات المتنوعة، وختامها مسك مع أشهى أنواع الحلوى وفي مقدمتها البقلاوة.
ويحتفل السكان، ولو مرة واحدة في الأسبوع، بإفطار جماعي، ولا تكتفي قائمة الطعام بوجبة الإفطار، فثمة عناصر تتميز بها مائدة السحور التي تعج بالخضروات والفاكهة وأطباق فطائر "البيتا" ذات الأصل التركي.
وبعد أن خفضت البوسنة، التي يبلغ عدد سكانها نحو ثلاثة ملايين و400 ألف ساكن وفقا لتقديرات عام 2020، وتنقسم عرقياتها إلى ثلاث هي: البوشناق المسلمين الذين يشكلون نسبة 51 بالمئة من السكان، والصرب الذين يمثلون 32 بالمئة، والكروات الذين تقدر نسبتهم بـ14 بالمئة، إلى جانب أقليات متنوعة أخرى، تدريجيا قيود الإجراءات الاحترازية من جائحة كورونا منذ العام الماضي، عادت إلى الأجواء تقاليد الإفطار الجماعي في الأماكن العامة كالحدائق، بجانب الفعاليات والطقوس التي تميز تقاليد البوسنة الرمضانية الأصيلة، مما جعلها قبلة للزوار، وملاذا للباحثين عن السكينة والهدوء من الطلاب العرب وغيرهم من مسلمي أوروبا.
بدوره يحوز رمضان في ألبانيا، الواقعة في جنوب شرقي أوروبا، ويبلغ عدد سكانها نحو 3.4 مليون نسمة، 80 بالمئة منهم مسلمون ألبانيون، على نكهة خاصة، لا تقل ألقا عما تعرفه البوسنة، بفضل تفاعل الشعب الألباني مع شهر رمضان الكريم بالشعائر والعبادات، فما أن تُعلن المشيخة الإسلامية في العاصمة /تيرانا/ عن بدء شهر الصيام حتى يبدأ تبادل التهاني وتنطلق استعدادات المسلمين لاستقبال الشهر المبارك بنشر الكتيبات التعريفية، وتقرع الطبول لتصدع بأصوات عالية في فترتي السحور والإفطار، يرافقها صوت "المسحراتي" الذي يردد بعض الأدعية والابتهالات الدينية، كما يُبث أذان المغرب عبر القناة الرئيسة كل يوم من أيام الشهر الفضيل.
وتبلغ مظاهر الاحتفال في ميدان "إسكندر بك" بوسط العاصمة تيرانا الذي يتزين بالفوانيس والأضواء الكهربائية في أجواء مبهجة يفتقدها المكان في غيره من أشهر العام، كما يتجمع الناس في المساجد، وأهمها مسجد "دينه خوجا"، ومسجد "أنهم بي" في العاصمة، حيث تعقد دروس العلم، وحلقات تلاوة القرآن، ويقوم أئمة المساجد والدعاة بتقديم بعض الدروس والمحاضرات، ويتم عادة استقدام بعض الأئمة والعلماء من تركيا خلال هذا الشهر الفضيل، كما تحظى ليلة القدر عند مسلمي ألبانيا باهتمام بالغ فتزدحم المساجد فيها، حيث لوحظ على مدى السنوات الأخيرة حضور مشايخ وعلماء عرب أيضا ومن شتى بقاع العالم العربي لألبانيا.
ومن العادات الأخرى التي يتبعها الشعب الألباني في رمضان المبارك، عقد الزيجات، حيث يعد موسما للزواج وتتم فيه معظم الأعراس، ويرجع ذلك إلى تبركهم بالشهر والتفاؤل به ليبدأ العروسان حياتهما في أجواء لا توجد في باقي أيام وأشهر العام، ويحرصان على زيارة الجامع الكبير في العاصمة تيرانا لمقابلة إمامه للدعاء لهم، والجلوس فيه لبعض الوقت للدعاء بالتوفيق والسعادة وتلاوة القرآن، لاسيما أن مسلمي هذا البلد يعتبرون ذلك من علامات البركة التي يحتاجون إليها في بداية حياتهم.

وفي كوسوفو، الواقعة بين ألبانيا من الجنوب وصربيا من الشمال الشرقي، وأعلنت استقلالها عن صربيا في عام 2008، لا تخلو الأجواء الاحتفالية بقدوم شهر رمضان من مميزات تحسس السكان والزائرين على حد سواء بأنهم في دولة مسلمة في قلب أوروبا، إذ تتميز الأنشطة الرمضانية والفعاليات بالتنوع، إن كانت بالمساجد أو في المراكز الإسلامية والمدارس القرآنية، لتشمل محاضرات وموائد إفطار جماعي ومسابقات، كما يبرز جليا النشاط النسائي خلال هذا الشهر الفضيل في المراكز الإسلامية وبعض المساجد، حيث يتركز ذلك في دورات خاصة بهن، وببعض المسابقات والندوات.
ويعتمد مسلمو كوسوفو، الذين ينحدرون من ألبانيا ويشكلون الغالبية العظمى من إجمالي سكان البلاد (بنسبة 95 بالمئة) البالغ عددهم مليونا و739 ألف شخص، على الحساب الفلكي في تحديد هلال رمضان، إتباعا لما يعمل به في تركيا، وبناء على فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، كما تحاول المشيخة الإسلامية والمراكز الإسلامية هناك أيضا تحرِّي شهر رمضان ليلة التاسع والعشرين من شعبان.
ويتميز شهر رمضان المبارك عند الكوسوفيين بالزيارات والتجمعات العائلية التي تبدأ من موعد الإفطار لتتواصل بجلسة السهر طيلة الليل بعد صلاة التراويح وتمتد حتى وقت السحور، بينما يُقام في بالعاصمة /بريشتينا/ مهرجان رمضان الذي تتخلله العديد من الفعاليات، مثل الخيمة الرمضانية في ساحة المجمع الرياضي، والإفطار الجماعي، وتقديم وجبات الإفطار مجانا للفقراء والمحتاجين والعمال والطلبة.
أما الأكلات والمشروبات فيميزها عندهم "البوريك" باللحم المفروم، وهو أبرز مظاهر موائد الإفطار الكوسوفية، كما يعد عصير التفاح أهم المشروبات عند الإفطار، مع التمر أو التين المجفف قبيل التوجه لأداء صلاة المغرب في المساجد، ومن ثم يجتمعون على مائدة الإفطار العائلية التي لا يخلو الطبق الرئيسي فيها من الحلويات البلقانية المشهورة، إضافة للفواكه المختلفة.
وللتذكير، فإن الإسلام كان قد دخل كوسوفو عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، بيد أن انتشاره الفعلي بدأ بعد مجيء العثمانيين، لا سيما في ظل وجود قادة كوسوفيين ضمن الدولة العثمانية مثل (بالابان باشا) من قادة فتح القسطنطينية، فضلا عن كبار الكتاب والشعراء الذين كانوا يؤلفون بلغات خمس: الألبانية والبوسنية والعربية والتركية والفارسية، مثل الباحث (محمد عاكف أرسوي).
وفي آخر دول البلقان مقدونيا الشمالية، الواقعة في وسط شبه جزيرة البلقان في جنوب شرق أوروبا وفتحت على أيدي الدولة العثمانية عام 1392م، وأعلنت استقلالها في عام 1991 بعد أن وقعت حكومتها اتفاقا أمنت به خروج الجيش اليوغوسلافي من قواعده بهدوء وسلام لتجنيب البلاد دفع مقابل باهظ للاستقلال، فإن الاحتفاء بشهر رمضان المبارك لا يقل شأنا عن باقي دول المنطقة، إذ تتلقى المشيخة الإسلامية في البلاد، مع دخول الشهر الكريم، تهاني رسمية من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومن كبار المسئولين، كما توفد الحكومة ممثلين رسميين خلال الاحتفالات الخاصة بتحري هلال رمضان والعيد، فضلا عن تخصيص أجهزة الإعلام الرسمية برامج تلفزيونية وإذاعية للمسلمين.
وتقوم المشيخة الإسلامية في مقدونيا أيضا بمهمة تنظيم حياة المسلمين عبر 13 دار إفتاء و580 مسجدا، ويتمركز المسلمون في المدن الكبرى مثل العاصمة سكوبيا، ومدن تيتوفو، وغوستيفار، وكومانوفا، كما تنظم مسابقة وطنية لحفظ القرآن الكريم تنتهي بتكريم الفائزين ومنحهم جوائز قيمة.
ويستقبل مسلمو مقدونيا شهر رمضان المبارك بصبغة خاصة فالشعائر والعبادات تقام طوال اليوم والليل، وترتيل آيات القرآن الكريم لا ينقطع من المساجد، كما أن الشهر الفضيل يعد انطلاقة للعديد من حملات التوعية بضرورة التآخي والمصالحة مع النفس ومع الآخرين، والابتعاد عن المنكرات.
وفي الشارع المقدوني المسلم، توضع المصابيح الكهربائية والزينة بأشكال وألوان متنوعة على مباني دور العبادة والمآذن والمحلات ابتهاجا بقدوم شهر الخير والبركات، وكعادته يبدأ "المسحراتي مرتديا زيه الخاص، مهمة إيقاظ الناس للسحور وأداء صلاة الفجر.
أما المساجد فتعمر بالحافظين لكتاب الله، وتحرص على ترتيل القرآن وتنظيم الدروس الرمضانية اليومية، إلى جانب تنظيم افطارات جماعية تقيمها المشيخة الإسلامية في المدن المختلفة، حيث تسود أجواء روحانية مفعمة بالتعلق بالدين الإسلامي الحنيف، وبأداء فريضة الصوم على أكمل وجه، ويقبل فيه المسلمون على تعمير المساجد، وفي مقدمتها مسجد "مصطفى باشا" في العاصمة سكوبيا، وسط حضور لافت للنساء المقدونيات بالمساجد بحجابهن، وهي ظاهرة غابت عن البلاد لأكثر من 70 عاما.
ومع دخول الشهر الفضيل، تتغير العادات اليومية في المدن المقدونية بشكل جذري، حيث يتم ترتيب كل شيء وفقا للأجواء الروحانية للشهر المبارك، وتزدان شوارع المناطق الإسلامية بالزينة والأضواء، ويطلق الأطفال المدافع الصغيرة إيذانا ببدء مرحلة الإفطار، وتتواصل هذه الأجواء الاحتفالية حتى آخر يوم صيام، قبل التوجه لأداء صلاة العيد، على أمل أن يعود عليهم الشهر في عامهم القادم وهم في صحة وسلامة، متشوقين لروحه وأجوائه وعبقه الخاص.