دائمًا ينتابنى شعور سعيد عندما أحضر معرضًا فنيًا للفنان القدير مصطفى الرزاز.
أمس، كنت فى رحاب معرضه الجديد «رزق البحر» حيث كانت السمكة ملكة الحكاية وقائدة الأوركسترا الفنية البديعة التى تسللت بألوانها ورشاقتها إلى جدران «قاعة الزمالك للفن»، تقود مريديها فى سيمفونية بصرية خلابة فى كل لوحة، كانت الحياة تتشكل حولها، وتتماوج معها، كأنها السر الدفين فى مد وجزر الإبداع.
فى عالم مصطفى الرزاز، لا تبحر السمكة فى الماء وحسب، بل فى الخيال.. فى الحلم.. بين الأزمنة، ليست ككائن بحرى، بل رمز يتهادى بين الأمواج كحلم لم يكتمل بعد.. ربما كأمنية تنساب تحت ضوء القمر.. ربما، كحكايةٍ تهمس بها المياه لمن يريد أن يستمع.![]()
ليست صدفة أن يختار الرزاز السمكة لتكون ملكة على عرشه الفنى، فهى كائن يختزن الحكايات يحمل فى عينيه سحر البحر ونبوءاته القديمة.. تأمل عين السمكة فى لوحاته، ستجدها تلمع ببريقٍ غامض، وكأنها ترى ما لا نراه، تحفظ أسرار البحر منذ الأزل، ترويها للصيادين حين يغفون فوق قواربهم، تهمس بها لشباكهم قبل أن يرفعوها. إنها عين لا تنام، تظل مشرعة على الأفق، تحمل فى نظرتها طزاجة الحياة، وربما تحرس الصياد من عيون الحاسدين، كما تروى الأساطير.ولكن الرزاز لا يقدم السمكة كغنيمة تقتنص، بل كمخلوق نبيل يسبح فى فضاء اللوحة، حيث تتحول الألوان إلى أغانٍ صامتة، وتتهادى الخطوط وكأنها تحاكى حركة الأمواج. إنها ليست فقط مجرد رمز للرزق كما فى الموروث الشعبى، بل رمز للانسياب الحر، للغموض الساحر المضىء فى قلب الظلام.
ولأن السمكة لا تكتمل إلا بوجود الإنسان الذى يترصدها، تظهر القوارب فى لوحات الرزاز كأنها قطع من الحلم، كأنها ليست مصنوعة من الخشب، بل من الحنين.. من قصص الصيادين التى يحكيها البحر فهى ليست مجرد أداه للصيد، بل سفن تسافر عبر الزمن، تحمل أرواح الرجال الذين غنوا للبحر.. الذين ألقوا شباكهم وكأنهم يرمون قلوبهم فى الماء، الذين عادوا ذات مساء بأيد ممتلئة بالخير، أو ربما فارغة إلا من الملح، لكنهم لم يكفوا يومًا عن الإبحار.
تنبض لوحات الرزاز بألوان غنية دافئة تعكس روحًا بحرية لكننا لا نرى معاناه مباشرة، بل نرى الحالمين بالرزق والأمل.. فن الرزاز ليس سردًا مباشرًا للواقع بل هو تشكيلة بروح شاعرية تجعلنا نرى السمكة والشباك والقارب ليس فقط بأعيننا، بل بقلبنا وخيالنا أيضا. من خلال قصيدة ملونة عن العلاقة الأزلية بين الإنسان والماء والأسماك.
![]()