عمتي زكية : تحرسُ الزمن
عمّتي زكية .
وكنيتُها ( أمّ جاسم ) .
لم تسمعْ يوماً بـ (دائرة الأنواء الجوية)
رغم أنها أفنتْ حياتَها
تراقبُ الفصول
وتحسبُ الزمن
و تتفرس في أقانيمِ الليل والنهار
تعرفُ المواسمَ وتحفظ أسماءَها :
هذه هي (الباحورة ) : طبّاخات الرطب
وذلك هو ( الأزرق ) : أقسى أيام البرد .
وهذه ( جوعة العصفور ) : بعد أن ينتهي موسم القطاف
وهذه هي الجِـلِّة :
حيث تخنسُ الكائناتُ في جحورها من شدة البرد
أما آخر زخّات الشتاء
فهي ( غسّالة اليواخين ) ...
......
بفراسة الكاهن
وفطرة المزارع القديم
تعرفُ العمّةُ : متى تغيب الثريا :
وذلك ايذان برحيل الشتاء ...
وفي ليالي الصيف
حيث ننام على سطح البيت
تطلبُ منا أن نرفع رؤوسنا الى السماء
لنتفرجَ على ( بنات نعش) :
النجماتِ السبعِ المشعّات
يحملنَ جنازة َ أَبيهنَّ القتيل : نعش
أربعٌ منهنّ يحملنَ الجنازة من أطرافها
والأُخرياتُ يمشينَ خلفها نادباتٍ ناثراتِ الشعور
...
تشمُّ الهواء
فتعرف مواقيت المدّ والجزر.
وتحفظُ الزاوية الخفية التي يطلّ منها الهلال
وهي أولُ من يُعلن عن العيد
قبل أن نسمعه من الراديو
أو من دار الإفتاء
...
وقبل أن ندخلَ المدارس
فنعرفَ أنّ الأشجارَ
هي كائناتٌ حيّة
حالهُا حالُ الإنسان .
كانتْ هي تقول لنا ذلك بالضبط
فنسخر منها .
...
عمتي زكية
تترجمُ لنا ما نسمعه
من أصوات الفواخت والقبّرات
والطيور المهاجرة التي تنعب في أعالي قبة السماء .
وتستمعُ الى جذور الأشجار
وهي تتمددُ عميقاً باحثةً عن أَثداء الأرض ...
وذات يوم رأيتُها ,
وكأنها تُصغي إلى شيء ..
سألتُها فقالتْ :
أسمعُ الأرضَ تبكي .
.....
وعندما نعود الى البيت من البستان
بستان الجد المجاور لمقبرة الإنكليز ,
يكونُ زنبيلُها هو الأترعُ والأبهى
لأنها تعرف مكامن الزروع
ومخابئ البطيخ
وتعرف مكان الثمار التي لا تبلغها أيدي القاطفين
وتهتدي اليها وهي مغمضة العينين ..
.....
يوم أن ماتتْ ..
كانتْ مسجّاةً على سريرٍ من الجَريد
ورأسُها غاطسٌ بوسادةٍ من اللّيف
ساكنةً مثلَ مومياء الملكة ( حتشبوس ) في المتحف المصري
مغمضةَ العينين
لا يتحركُ منها إلاّ شفتاها
تخاطبنا بصوتٍ خفيض
وبأنفاسٍ متحشرجةٍ مودّعة :
- ( خذوا بالكم من النخله تره هي عمتكم )
(منقول)