هل تصدقون أني لا أعلم من أنا؟
أنظر إلى نفسي في المرأة فأرى شخصاً لا أعرفه, من هذا الذي ينظر إلي بعينين أضناهما تعب السنين وشعر قد خط المشيب فيه خطوطاً؟ من هذا الذي فقد الأمل في الحياة بعد أن كان يظن نفسه سيدها؟
حين أنظر للماضي أرى شخصاً غير الذي يعيش معي الآن, أرى شخصاً ما كان يعرف للمستحيل معنى وما كان يظن يوماً أنه سوف يذوق للمر طعماً, كان يظن أن كل المصاعب يمكن التغلب عليها وكل المشاكل لها حلول, وكل الأحلام سوف يتم نوالها.
هذا الشخص انتهى رغم أنه الآن يقاتل كي ينال السلطة من جديد.
بينما الشخص الذي أنا هو الآن يضحك من ذاك الحالم رغماً عني, يضحك منه ويلقي اللوم عليه بذات الوقت: لولا جهلك لما كنا وصلنا إلى هذا الحال, لولا ضعفك لما آل بنا المآل إلى أن نتجرع المر كاساً تلو الآخر, لو كنتَ تصرفتَ بعقل ومنطق واتزان بدلاً من غرقك في الأحلام التي أكدت لنفسك -من غير مبرر- بأنها ستصبح واقعاً لا محالة لكنا الآن في حالٍ أفضل ولكنا حققنا على الأقل شيئاً يذكر بدلاً من خروجنا من كل معركة خاليي الوفاض.
هذا الشخص الآن يحاول الآن إنقاذ ما يمكن إنقاذه لا غير, لا يحاول بناء حياة وردية مثالية, لا بل اقتنع بأن الحياة المثالية ليست له وحتى أنه صار يتجنب كبار الأحلام حتى لو كانت متاحة له ظناً منه أنه ليس أهلاً لها وهناك غيره من يستحقها أكثر على مبدأ (هي خربانه خربانه فخليها خربانه) لذا أراه دوماً يهرب من تلك الأحلام خائفاً حتى لو وقعت في متناول يده ويقرر أن يدعها بكل ثقة وتأكيد لعل هناك من هو أقدر منه على الاستمتاع بها, ما كنت أتوقع أن يحصل هذا أبداً.
وإلى الآن لست أعلم من هو الذي على صواب, وإلى الآن لا زالت المعركة قائمة بين ذاك الذي يظن كل الأماني ممكنة وكل المتاعب يمكن أن تزول وهذا المتعقل الذي اختار أن يعيش عيشة كفاف ناذراً نفسه لإيجاد وسائل كي يصلح ما اخترب.