التنقيبات الاثرية في كوردستان
لقد بدأت مكتشفات العصر الحجري القديم الأول في كوردستان شمال العراق منذ سنة 1928 من قبل دوروثي. أ.أي. جارود (Garrod Dorothy A.E.) فقد تمت حفرياتها التمهيدية الأولى في كهف (زرزي) قرب منابع نهر الزاب الأسفل حوالي 20 ميلاً شمال مدينة السليمانية(1).
وفي الجبال المقابلة لسورداش يوجد هذا الكهف الصغير (زرزي) ولا يبعد كثيراً عن كهفي قزقبان و كور و كچ الصناعيين، ووجدت فيه آثار من أواخر العصر الحجري القديم ومعظمها من الآلات الدقيقة التي يرتقي زمنها إلى ما قبل اثني عشر ألف سنة(2). وكانت تجربة جارود الثانية في كهف يسمى (هزارميرد) قرب السليمانية كشفت حفريات تمهيدية قصيرة فيه صناعة صوان أولية أمكن تمييزها بموستيرية وذلك لوجود الأسلحة المستدقة النهاية ذات الوجه الواحد والقاشطات المميزة (لهذه الحضارة)(3)، واتضح من دراسة الآثار أن هناك اتجاهاً متزايداً نحو الاعتماد على المنتوجات النباتية ومع ذلك فإن أهل الكهف تعلموا بعد فنون الزراعة وتدجين الحيوان(4)، وكذلك وجدت في الكهفين ملتقطات تعود للعصر الحجري القديم(5).
وقد عثرت البعثة الأمريكية للتنقيبات في كهف (هزار ميرد) على مخلفات تعود للعصر الحجري القديم الأوسط (100000- 0000006 ق.م) وهي آثار حجرية من صنع الإنسان المسمى (نياندرتال) في أسفل طبقات هذا الكهف(6).
ويمكن أن نقول أول من نقب في هذا الكهف بشكل علمي دقيق هو الاستاذ بريدود (ر.جي. بريدود) من شيكاغو، وكان ذلك عام 1928م، وعثر على أدوات من الحجر تعود إلى العصر الحجري القديم(7).
وعثر في كهف بهستون قرب كرمانشاه وكذلك في كهف تامتاما (قرب بحيرة أورمية) على أدوات مصنوعة من الصوان بطريقة التشظيف، وهذه الأدوات تماثل ما اكتشفته جارود في كهف (هزارميرد) وهذا يدل على أن الذين سكنوا هذه الكهوف كانوا من نفس النوع من البشر(8).
كذلك دلت التحريات الأثرية التي قامت مؤخراً في منطقة (جبل الكورد) الواقعة حالياً شمال سوريا، وفي منطقة عفرين التي تقع على حدود المناطق الكورردية الموجودة حالياً ضمن تركيا على اكتشاف عدد من الكهوف الأثرية التي تعود إلى عصور ما قبل بالقرب من قرية(برج عبدالو) وأهم هذه الكهوف، كهف (الدودرية) أي كهف ذي البابين حيث تقوم بعثة أثرية يابانية بالتنقيب فيها منذ سنوات وقد عثرت في عام (1992م) على عظام طفل في الخامسة من عمره وقدر تاريخه إلى (مائة ألف عام) وقد أثبتت الاكتشافات الأخيرة هذه بأن المنطقة تعد بمثابة موطن السلالة البشرية الأولى، وعثر فيها أيضاً على بقايا صوانية وعظمة وتعود إلى إنسان ما قبل التاريخ خاصة ذلك الذي يعود إلى الدور (النياندرتالي) أو الآشوري(9).
وفي عام 9419م عندما أخذ جمع متتابع من الباحثين الأمريكان على عاتقهم التحري عن آثار العصور الحجرية القديمة في كُردستان (كوردستان العراق) كان الأكثر نجاحاً منهم جميعاً (رالف س. سوليكي (Solecki Ralph.S)في كهف (شانيدر) أختاره من بين مجموعة كبيرة جنوب واجهة سلسلة جبال برادوست إلى الشمال من مدينة راوندوز في محافظة أربيل، ووصلت حفرياته التمهيدية هناك إلى عمق 13،7 متراً وتمكن من إرجاع أقدم ما عثر عليه من طبقات السكن (الطبقة د) إلى الوجه الموستيري مع أدوات غالبيتها العظمى مميزة لحضارة (صناعة) التشظيف Flake cultureالمقبلة لحضارة الشفرةBlade Culture)) والتي ترجع لنهاية العصر الحجري القديم الأعلى (الطبقة ج)(10)، حيث أن الأستاذ رالف سوليكي حفر حفرة كبيرة في الكهف (شانيدر) لاختيار وتحديد عمر الطبقات الأرضية لقاع الكهف واستناداً إلى عمر المواد المكتشفة فقد تم تحديد أربع طبقات:
1ـ الطبقة أ وهي الطبقة العليا وفيها مخلفات حديثة.
2- الطبقة ب ويرجع تاريخ مخلفاتها إلى (13) ألف سنة.
3- الطبقة ج ويرجع تاريخ مخلفاتها إلى (25) ألف سنة.
4- الطبقة د ويرجع تاريخ مخلفاتها إلى حوالي (100) ألف سنة، إلا أنه وجدت هناك طبقات تفصل بين الطبقة ب و ج وبين ج و د حدد عمر الأولى ب 1500 سنة والثانية ب 10 آلاف سنة(11).
وعثر في كهف شانيدر على أول هيكل عظمي لإنسان النياندرتال يرجع إلى العصر الحجري القديم (المستيري) والذي يرقى إلى ما قبل حوالي خمسين ألف سنة (50000)(12). ويعود الفضل في اكتشاف أربعة هياكل بشرية ذات مزايا إنسان النياندرتال إلى الأستاذ رالف. س. سوليكي وذلك بين السنوات 1953 و 1957(13).
ويعد كهف (شانيدر) أشهر الكهوف الأثرية في عصور ما قبل التاريخ في الشرق الأدني ومنطقة غربي آسيا ويقع الكهف في جبال زاكروس عند الحافة الشمالية الغربية لسلسلة برادوست على ارتفاع 822م فوق مستوى سطح البحر ويبعد نحو 4-5 كم عن الضفة اليسرى للزاب الكبير وهو على شكل مثلث عرضه 53م وطوله 04م وارتفاعه 8م وسقف الكهف على هيئة قبة ارتفاعها عن السطح الحالي 41م(14).
ومن خلال عملية التحليل بواسطة كاربون قدر عمر الطبقة الأخيرة من كهف شانيدر بين (06-54) ألف سنة هذا على ذكر كتاب (تاريخ الكورد القديم) لمؤلفيه د. جمال رشيد أحمد ود. فوزي رشيد، ص 25.
ووجد في الطبقة الأخيرة بقايا عظام لحيوانات غير مدجنة كالثيران والغنم والماعز وأصداف السلاحف وعلاوة على الهياكل العظيمة التي ذكرناها، يذكر عبدالفتاح علي يحيى بأن سوليكي أضاف لها خمسة هياكل عظمية أخرى، ويقول أن سوليكي بلغت تنقيباته في الموسم الأخير (0619) عمقاً من الكهف يبلغ 41م، وأن أعظم ما اكتشفت في الكهف فضلاً عن الأدوات الحجرية مزارف ومثاقب ومقاشط، هو العثور على تسعة هياكل عظمية لإنسان النياندرتال يعود تاريخ أحدهما إلى حدود (00006) عام بدلالة عمق الطبقة التي وجد فيه علما أن الاختبارات التي أجراها المختصون تشير إلى أن الاستيطان الأول لهذا الإنسان في كهف شانيدر حدث قبل (100) ألف عام ق.م واستناداً إلى تواريخ حدوث العصور الجليدية فإن إنسان النياندرتال كان يعيش في جبال كوردستان في أصعب الظروف المناخية وأنه كان يجاهد من أجل البقاء.